الباب الثامن عشر

كُفُرْ من جهل التوحيد، ومن عذر المشرك لجهله

قال الله سبحانه: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ......الآية ﴾ ( 132 ) . تعني فرض تعلم التوحيد , وقال الله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾ [133].

وبعد " آية العهد " هذه يحتج أهل الأهواء بالحديث الصحيح: " كان رجلٌ يُسْرِفُ على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مِتُّ فاحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح؛ فواللهِ لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فُعِلَ به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيكِ منه، فَفَعَلَتْ فإذا هو قائم، فقال: ما حَمَلَكَ على ما صنعت؟ قال: يا ربي، خَشْيَتُكَ، فغفر له " [134]، وقال غيره: مخافتك يا رب، والجواب: قوله " لئن قدر علَيَّ ربي " أي: ضيَّق عليَّ، ، فقد اطلع الله على قلبه وصدّق قوله، لا كما يدعي أهل الأهواء أن الرجل كان جاهلًا بقدرة الله على إحيائه، وإلا ما كان الله ليغفر له.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات وهو يعلم التوحيد دخل الجنة ( رواه مسلم ) أي اذا لم يعلم التوحيد لن يدخل الجنة !
ويحتج أهل الأهواء بعدم تكفير رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين سالوه أن يتخذوا الشجرة ذات الأنواط لتعليق سيوفهم عليها تبركاً بها كما كان للمشركين ذات أنواط , والجواب: إن صح الحديث ! فأولئك كانوا حديثو عهد بشرك.

ويعود أهل الأهواء فيحتجون بسؤال الحواريين لعيسى بن مريم عليه السلام: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء)، والجواب: أن الآية تعني: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء [135]، هنا أهل الأهواء يطعنون حتى بالحواريين بأنهم جهلوا قدرة الله ، فسبحان الله عما يصفون.

فأهل الأهواء يسعون جاهدين على تعطيل العلم، وإبقاء الناس على الجهل بالتوحيد؛ ليكون ذلك بزعمهم حُجَّةً لهم يوم القيامة، والله سبحانه يقول: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ تعني فرض تعلم التوحيد [136]. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حديث المُعَذَّب في قبره: كان الناس يقولون شيئًا فقُلْتُهُ [137]. أي قلته جهلًا، فلم تَعْذِرْهُ ملائكة العذاب. وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار[138].

ويعود أهل الأهواء لإعذار الجاهل بالتوحيد فيحتجون بالحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها-: يغزو جيشٌ الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخْسَفُ بأولهم وآخِرِهِم، قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقُهم ومن ليس منهم قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم [139]. والجواب: لم يُعذر أحد لجهلهِ بالتوحيد، وإنما كان سؤالها - رضي الله عنها - عن أسواقهم اي التجار الذين مع قافلة الجيش والسوقة المكرهين ، ومن ليس منهم أي: أهل المكان الذي كان الجيش مارًّا به، وابن السبيل المار المستطرق، فالعذاب يقع عامًّا لحضور آجالهم، وفي رواية مسلم: يهلكون مهلكًا واحدًا، ويَصْدُرُونَ مصادر شتى [140]. والله سبحانه يقول: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ... الآية﴾ [141].

ويحتج أهل الأهواء بأن نبيُّ الله يونسُ - عليه السلام - قد جهل قدرة الله عليه بقوله سبحانه : ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ... الآية ﴾ [142] غير ان تفسيرها : فظن ان لن نعاقبه بالتضييق في بطن الحوت , " فأنظر كيف يفترون على الله الكذب " .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسُ محمد بيده، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار [143].

وأما ما ورد في الحديث الذي رواه الإمام احمد في المسند عن الأسود بن سريع ان نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما اسمع شيئا، وإما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وإما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعونه فيرسل إليهم إن ادخلوا النار، قال: فو الذي نقس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما " والجواب: إن صح الحديث ! أولئك الأربعة لم يكونوا من قبل قد أشركوا بالله شيئا، و إلا لا يباليهم الله بالةً.

وخلاصة القول: أنك إذا عذرت المشرك لجهله بالتوحيد، فذلك افتراءٌ على الله بإدخاله في الإسلام ، وولايةٌ للمشرك بمعاملته كسائر المسلمين , وبذلك تحصل مفسدة عظيمة .









التعليقات

لا يوجد تعليقات بعد.

عدد القراء: 9366

Flag Counter

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف